أزمة سد النهضة .. حكم السيسي يواجه اطماعا اثيوبية ارتفع بها الى عنان السماء

 

عدلي محمد  أحمد

في التوجه لواشنطن ولجامعة الدول العربيه مرتين ومؤخرا لمجلس الامن,ثمة تطور ما في موقف حكم السيسي من الكارثه المائيه المحدقه , تطور يقابله بصوره غير مسبوقه في حدتها وبذائاتها وتحديها , تعنت اثيوبي صارخ يحتدم كلما اقترب من الانتهاء من بناء سد الموت.
فكلا النظامين صار يتصرف بعصبيه طارئه في الشهور السته المنصرمه , حيث بدا للنظام الاثيوبي وكأن السيسي ما عاد سيسي اتفاقية اعلان المبادئ المعروفة والمعروف ما عاد سيسي: ( قول والله ), ومافيش اي مشكله ,الدول الثلاثه دوله واحده والايدي المتعانقه ترتفع للتأكيد!
يصعب القول فيما يخص موقف حكم السيسي : راحت السكره وجاءت الفكره, فموقفه من البدايه لم يكن اسير اي استسهال ازاء الاطماع الاثيوبيه, رغم انه كان شاطبا منذ اول لحظه علي فكرة العمل العسكري بصوره صارمه ,وكان معتمدا علي ادارة الازمه من خلال التفاوض بل والتفاوض الثلاثي والثنائي ,ويمكن القول ان مضمون اتفاقية اعلان المبادئ عبرت بجلاء عن موقف حكم السيسي من الكارثه , حيث الخضوع هو سيد الموقف لدرجة التفريط الرسمي في اي حق قانوني لمصر في حصتها المائيه التاريخيه, وكل ما كان يتمناه هو بناء السد وتشغيله دون الحاق ضرر جسيم بمصر, اما عن الضرر فهو مدرك لحتمية وقوعه وكأنه قدرا من الاقدار.
وحتي الضرر الجسيم لم يكن الحكم حريصا مثلا علي وضع خطوط حمراء امام مستويات معينه منه , بل عوضا عن ذلك وبعد ان ترك الامر برمته لاريحية البرلمان الاثيوبي بعد توقيع الاتفاقيه , لم يتوقف ابدا عن الطبطبه علي رؤساء الوزراء الاثيوبيين , لدرجة ابتلاع اهانات لا تليق لا بالشعب ولا بالجيش .
وفي حقيقة الامر فان موقف حكم السيسي لم يكن من الناحيه الجوهريه سوي الترجمه العمليه لموقف الطبقه المالكه الحاكمه التي كان قد حدد لها المخلوع مسارات تعاطيها للاطماع العدوانيه الاثيوبيه في مياه نيلنا .ومهما يكن من شئ, فان حكم السيسي اليوم يصطدم بامرين مريرين,لم يهبطا فجأة من اي سماء, بل تشكلا واكتملت ملامحهما في سياق تطور الموقف النيلي ان جاز التعبير
اولاهما يتعلق بما كان النظام يتصور انه قد يصلح بديلا للنقص في مياه النيل جراء بناء السد الاثيوبي,
فحكم السيسي توقف او يكاد عن اي مبالغات في ما يمكن ان يقوم به من استصلاح زراعي , بدأت بالحديث المغالي عن استصلاح 4 مليون فدان ! وريها بالرش والتنقيط , وزراعتها بالصوب الحديثه ,التي تبرع في مضمارها زراعات الجيش , اي بما يوحي بان في مقدورنا تماما توفير انتاج زراعي يعادل ما تنتجه اراضينا النيليه القديمه, واننا في سياق ذلك سنشغل4 مليون عامل, قدم حكم السيسي احلام هند وكاميليا هذه للاستثمار العالمي والعربي فلم يجد الا قبض الريح ,فالجميع يدرك ودراسات البنك الدولي تؤكد لهم ان المخزون الجوفي المصري لا يتعدي سحبه غير الجائر ما يسحب منه بالفعل ,وهو ما لايتعدي الاربعة مليارات من الامتار المكعبه, والخلاصه ان ما تم استصلاحه فعليا لا يتعدي مئات الآلاف من الافدنه, جري ضم ما استصلحه المستثمرين اليها تحت عنوان مشروع السيسي , ورغم ذلك ما زالت الاراضي المستصلحه لا تكمل المليون فدان.
العنصر الثاني في خطة النظام هو ما تعلق بتحلية المياه ومدي امكانية سدها لاقسام مؤثره من النقص المحتمل جراء سد العار, لن استرسل وساكتفي بالاشاره الي ان ما حققه فعليا حكم السيسي وعلي مدار خمسة سنوات يقل عن المليار متر مكعب (قارن ذلك بحصتنا التاريخيه ال 5, 55مليار لتعرف الفرق ).
لقد اصطدم حكم السيسي في الحقيقه باوهامه عن امكانية توفير بديل لما سينقص من مياه في ظل انكماش اقتصادي عالمي مترتب علي استمرار الازمه الاقتصاديه العالميه, ولقد تحول هذا الاصطدام الي المستحيل بعينه مع تعويم الجنيه المصري بما يعنيه من الارتفاع بقيمة اي واردات, وهو الامر الذي اضفي عليه التأثير الاقتصادي لكورونا محليا وعالميا مزيدا من التعقيد
اما عن ثاني الامرين , فانه يتعلق بموقف اثيوبيا الذي عرت جلسات التفاوض اطماعه وحدودها , والتي صارت امام اي مخلص لا تقل عن الطمع في كل النيل الازرق, بما صار مكشوفا انها لا تتوقف عند الاقتصار المزعوم علي توليد الكهرباء, بل ان الزراعه هدفها الرئيس, وهي زراعه بلا حدود , ضفافها مفتوحه لتشمل 100مليون فدان , من الاراضي الاثيوبيه الزراعيه والقابله للزراعه , بهدف تأجيرها وبيعها للدول التي تعاني من ازمة المياه العذبه, والاحتكارات الامبرياليه التي تستثمر في زراعة المحاصيل , فالمشروع الاثيوبي مفتوح لالتهام كل نقطة ماء تخرج خارج الحدود الاثيوبيه , وهو ما لا يتوقف عند مياه نهر النيل الازرق بل يمتد حتي لنهر السوباط الذي يشكل ماءه نصف ايراد النيل الابيض, ولكن لكل شئ وقت كما قال السيد المسيح.
يواجه حكم السيسي الآن وضوح الاطماع الاثيوبيه المهدده بالتهام الازرق, في لحظه قد اكتمل فيها بناء سد الموت ,وصار جاهزا لحجز المياه , فهذا عنصر جديد يمكن ان ينتقل عمليا باي تعنت اثيوبي الي دائرة الفعل ,لا الي مجرد الانسحاب من المفاوضات كما كانت تشهد السنوات السابقه, فاي تفاوض سيدور اليوم سيتم نحت طائلة هذا التهديد الجدي الجديد , انه مشابه لتفاوض النظام مع اسرائيل وارضنا تقبع تحت الاحتلال , وهذا العنصر غير المباغت بحال والذي لم يجد لدي حكم السيسي الا اللجؤ الي واشنطن ,بكل ما يهدد به من تسليم القط مفتاح الكرار , هو الذي يصيب العمل علي تحقيقه السريع وحيازة مفعوله, حكم آبي احمد بالسعار , حتي لو كانت الكميه المتاحه من المياه في اوائل يوليو لا تتعدي ال 4,9 مليار متر مكعب المتفق في اجتماعات واشنطن علي انها تشكل الحد الادني من حد التخزين الميت الذي يسمح بالبدء في التوليد الذي سيكتمل مع حجز 5, 13مليار اخري,في العام المقبل كما حاول تفاوض واشنطن فرضه علي المفاوض الاثيوبي استنادا الي صعوبة التشغيل اصلا بسهوله من اول عام.
ولكن المفاوض الاثيوبي رفض ذلك الطرح ضمنيا وفضل توقيف التفاوض علي القبول بذلك وغيره من عناصرتتعلق بالتشغيل في ظل الجفاف الذي طرحه حكم السيسي مع وضوح اصرار اثيوبيا علي التخزين السريع , للدرجه التي يمكن ان تلتهم اي مياه باقيه في بحيرة ناصر,وتضع الموقف المائي المصري مكشوفا امام اي نقص في الفيضان في ظل الخطه الاثيوبيه الساحقه الماحقه لاي مخزون مصري.
واذا كانت مفاجأة تفاوض واشنطن , ان حكام اثيوبيا لا يكتفون بالاصرار علي حجز ال 5, 18كلها هذا العام بل يؤكدون علي ضرورة حجز مثيلها في العام التالي لضمان استمرار التوليد كما يدعون الامر الذي اضطر حكم السيسي للتصريح بان اثيوبيا تريد الزراعه لا التوليد!, بما بدا انه حجز متواصل للمياه دون ضرورة يحتمها توليد الكهرباء.
فان ما يعتبر ايضا مفاجأه , ان يوافق حكم السيسي علي ما يطرحه الاثيوبيين , لدرجة استعداده للتفريط في المخزون القرني لبحيرة ناصر,ومناشدة اثيوبيا تمرير الفيضان حال الجفاف الذي كاد ان يودي بمصر في الثمانينات, ولم يكن اعتراضه المشدد نسبيا الا علي ضرورة قبول المقترح الامريكي بالبدء ب ال 5, 4 مليار ومنحه عاما ثالثا , لا يدري حتي الحواه ما الذي يمكن ان تفعله مصر خلاله في ظل هذه الشروط.
اما اعقب ذلك من مفاوضات في السودان لم يكن الا جلسه جديده اكد فيها الاثيوبيين علي ما صار معلنا بوضوح وتحدي وصفاقه.
وعلي اي حال فان توجه حكم السيسي لمجلس الامن لا يقل في الحقيقه عن تهديد ضمني بالحرب ,رغم صيغته السلميه جدا ,ولا يقل عن اعلان غضب تجاه اي دوله يمكن لها ان تزرع بمياه نيلنا اراضي اثيوبيه, والكلام للصين وللخلايجه عموما وايضا للصهاينه, وقد اضطره التمادي الاثيوبي في التشدد الي هذا السلوك الذي بدا جديدا, بل وهجوميا رغم انه في حقيقته لا يأتي الا كطلوع روح كما يقولون
فهو تهديد تمثيلي لا شواهد عليه ,خصوصا وان المستثمرين المصريين الكبار من اكبرالمستثمرين الاجانب في اثيوبيا, وصولا للاستثمار في سد النهضه ذاته,وخصوصا انه يأتي في سياق عرف توقيع اتفاقية اعلان المبادي التي فرط فيها حكم السيي في مياه النهر , تهديد يأتي بعد (الهنا بسنه) مصيره التجاهل ,اوالرثاء, وهو ما اتضح من مواقف معظم الدول الكبري: عودوا للتفاوض ,بعضها رفض بالطبع اي خطوه منفرده كما يريد النظام ولكن اغلبيتها لم تعر ذلك اي انتباها.
لقد كان يمكن ان يكون التوجه لمجلس الامن مؤثرا, ان جاء مصحوبا علي الاقل بالغاء لاعلان المبادئ لاتفاقية تقاسم المياه بين الدول الثلاث, وبهدف مختلف عن منع اي طرف من اي خطوه منفرده, خصوصا وانها لن تكون هدفا مع الغاء اعلان العار الذي انهي اتفاقية 1929التي ينص اهم بنودها بعد تحديد حصتنا وحصة السودان المائيه التاريخيه ,علي ذلك.
وكان يمكن ان يكون له ان يكون اشد تأثيرا ,ان كان قد تم كرد علي انسحاب اثيوبيا من تفاوض واشنطن .
وكان يمكن ان يكون له تأثيرا اقوي بما لا يقاس , ان كان قد تم كبديل للتوجه لواشنطن,
بل كان يمكن ان يحظي بالتفاف الشعب كله ان كان قد طرح في البرلمان الاثيوبي وقبل توقيع اي اعلانات , بل وقبل الشروع في البناء, محددا لما لا نستطيع دونه الاستغناء عن نقطة مياه واحده , وان اي اتفاق ينص علي ذلك يجب ان يتم تحت اشراف الامم المتحده وبضمانها حتي لا يلوم اي طرف الا نفسه حال تخطي ما سنوقعه.
والخلاصه المره لموقف حكم السيسي من الكارثه المائيه الآن, ان اي بدائل لاي انتقاص من مياهنا وزراعتنا لا تتعدي الاوهام , اومحاولة خداع الجماهير ,خصوصا في ظل عجز مائي اصلي لا يقل عن 20 مليار من مليارات الامتار المكعبه ,واعني تحديدا استصلاح الاراضي وتحلية المياه.
وان محاولة حكم السيسي تقبل نقص ولو نصف الفيضان بصوره مؤقته تحت العنوان الكاذب ( ملء الخزان ) لمدة ثلاثة سنين, داستها الاطماع الاثيوبيه وحولتها الي عار, فاثيوبيا ستزرع بالمياه المحتجزه التي ستحتاج الي تكرارها كل عام , اما عن مقدارها فذلك في الحقيقه يتوقف علي قدرة الاثيوبيين علي بيع وتأجير الاراضي التي ستروي بها هذه المياه.
واذا كان النظام الاثيوبي قد اعلن قبيل مفاوضات واشنطن انه سيحتاج 25 مليار منذ هذا العام المائي للبدء في التوليد الكهربائي الذي لن يحتاج اكثر من ذلك كما سبقت الاشاره , فانه اكد علي ان ذلك المقدار سيتكرر بحجة ملء الخزان – 74 مليار متر مكعب – الا ان ذلك يظل مجرد تقدير قد يزيد او يقل في العامين المقبلين
فتحديد المقادير يتوقف علي القدره علي توفير عقود بيع وايجار للاراضي الاثيوبيه الثابله للري بالمياه المحتجزه .
مع مراعاة ان النظام الاثيوبي يعمل من خلال طرحه لهذا الحجم البالغ لخزان سد النهضه ان يوفر رصيدا مائيا لما يبنيه او ينوي بناءه علي نهر النيل الازرق من سدود.
.واذا كان حكم السيسي قد رد علي هذا التقدير الذي اقصح عنه الاثيوبيين بالمسارعه بطلب مساعدة واشنطن, فان ذلك لم يقدم شيئا كما ما صار معروفا للجميع, كما لم يقدم ولن يقدم التوجه لمجلس الامن طالما ان جميع عناصر الموقف علي حالها ,اللهم الا في الحدود التي يمكن ان تترتب عليه من زاوية احراج او ارباك المستثمرين المحتملين في المشروع الاثيوبي المتوحش المجنون.

المصدر