بولتون والإشارات الترامبية في ليبيا…؟

 

مكالمتان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب قلبتا الأوضاع في ليبيا وجوارها العربي والافريقي والأوروبي.

المكالمة الأولى تلك التي أجراها دونالد ترمب، في منتصف ابريل الماضي مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، والتي أحدثت دويا هائلا ومفاجئا لكل دول المنطقة والمراقبين لتطورات الصراع في ليبيا وعليها.

وقد ضاعف من دوي “فكرة” المكالمة، بحسب العبارات المتسلّلة من البيت الأبيض، امتداح ترمب لدور حفتر “الجوهري في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية، والحاجة لإحلال السلام والإستقرار في ليبيا”، إضافة لتناولها “رؤية مشتركة لانتقال ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر”.

إنها المكالمة التي عكست تحوّلا مختلفا، عن موقف وزير الخارجية الاميركية مايك بومييو المعارض لهجوم عسكري لقوات حفتر على حكومة السراج المعترف بها في طرابلس، وأيضا عن موقف وزير البنتاغون بالوكالة باتريك شاناهان الذي قال إن “الحل العسكري ليس ما تحتاجه ليبيا”.

إنها المكالمة التي جاءت بعد أيام على لقاء ضم ترمب والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الداعم الحفتر، والتي رتّب لها بإتقان مدروس مستشار الامن القومي السابق جون بولتون.

بولتون الذي وصفه ترامب بعد يوم على استقالته بـ “الكارثة”. وبعد يوم من نشر كتاب بولتون “الغرفة التي شهدت الأحداث”، علّق ترامب “لو استمعت إليه لكنّا الآن في الحرب العالمية السادسة”.

إذن بولتون كان يقف وراء اندفاعة صفراء لا حمراء ولا خضراء، لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر بهدف السيطرة على طرابلس. إنّها الاندفاعة التي أرادها بولتون من حفتر أن تكون سريعة. لكن كيف لاندفاعة صفراء أن تكون سريعة، إذا لم تكن محل متابعة البنتاغون ودعم القيادة الأميركية في افريقيا افريكوم ؟.

لكن حفتر المنتشي بمهاتفة ترمب له، سرعان ما تصرّف على أساس أن الضوء الأصفر هو ضوء أخضر، وأعلن بخطوة مفاجئة للأمم المتحدة وبعض الدول الاوروبية، انطلاق عمليات الجيش الليبي لتحرير طرابلس من “الميليشيات الإرهابية” لاستعادة الأمن والأمان فيها. وباتت طرابلس في فم الجيش الليبي فعلا. لكن من دون أن يتمكن من السيطرة عليها رغم المعارك الضارية على محاورها المختلفة.

وبالعودة إلى الميليشيات الإرهابية كما يصفها حفتر. فإنها هي ذاتها الميليشيات التي قاتلت كما حفتر تحت راية الناتو لإسقاط نظام القذافي. إنها الميليشيات التي لم توصمها دول الناتو بالإرهاب رغم أنها قتلت السفير الاميركي في بنغازي، ورغم أنها تصنف التنظيمات الأم مثل داعش والقاعدة تنظيمات إرهابية. ما يعني ضمنا وأساسا أن حفتر لا يتوافق مع دول الناتو على وصم هذه الميليشيات بالارهاب. بل إن محكمة الجنايات الدولية تطالب بتسليمها محمود الورفلي أحد أبرز ضباط حفتر، لمحاكمته في لاهاي بسبب جرائم قيل إنه ارتكبها أثناء تحرير مدينة بنغازي من هذه الميليشيات، خلال اطلاق خليفة حفتر حركة الكرامة كمحاولة للتبرؤ من تحالفه السابق عام 2011 مع ميليشيات فبراير أو التمايز عنها، خصوصا بعد تعيينه من البرلمان الليبي برئاسة عقيلة صالح قائدا عاما للجيش الليبي.

وبعد نحو شهرين على الضوء الترامبي الأصفر، تلقى الجيش الليبي وقائده حفتر ضربة قاسية تمثلت بسقوط مدينة غريان نتيجة مساهمة تركية نوعية، بيد ميليشيات حكومة السراج. وبسقوط المدينة التي تعتبر من أهم مفاتيح سقوط طرابلس عام 2011 جراء عدوان الناتو، بدأ ترامب يراجع ويتراجع عن دعمه لخليفة حفتر.

إذن سقوط غريان (التي كان يرئس غرفة عملياتها العميد عبدالسلام الحاسي الخبير في تزويد حلف الناتو بإحداثيات مواقع الجيش الليبي عام 2011، تحدث عن خيانة شبيهة باحداثياته أدّت لسقوطه مع غريان عام 2019)، كان الثغرة التي لم يتمكن الجيش الليبي من غلقها.

إنها الثغرة التي تناسل منها وبسببها سقوط غالبية مدن غربي ليبيا مثل صبراتة وصرمان وقاعدة الوطية الاستراتيجية، وليس انتهاء بالانسحاب السريع للجيش الليبي من مطار طرابلس وكل محاور القتال فيها، وصولا إلى مدينة ترهونة معقل اللواء السابع الذي أصبح اللواء التاسع، لتصبح طرابلس وكل غربي ليبيا بقبضة قوات السراج المدعومة من الاردوغان لأسباب إخوانيّة سبقت ومهّدت الطريق امام التوقيع على “اتفاقيتين” مثيرتين للجدل والحروب المتوسطية، حول “التعاون الأمني والعسكري” وتحديد “مناطق النفوذ البحري”.

إنها الثغرة التي أطاحت بكل “ساعات الصفر”، التي حدّدها حفتر لدخول طرابلس. كما أطاحت بالتفويض الذي طلبه من الشعب الليبي لإدارة البلاد، دون التفاهم مع رئيس البرلمان عقيلة صالح، ولا حتى مع مصر بوصفها الشقيقة الأكبر والأقرب لليبيا، والراعي ما قبل الأول لحفتر.

المكالمة الثانية، هي تلك التي جرت ليل الثامن من يونيو الجاري بين ترامب واردوغان الذي تولى بانتشاء المنتصر سرد تفاصيلها قائلا “لقد بحثنا الصراع في ليبيا والاتفاق على بعض “القضايا” المتعلقة بالتطورات هناك”. ويضيف الاردوغان “قرّرنا مواصلة التعاون الوثيق فيما يخص تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا الجارة البحرية لتركيا في المتوسط.. وقد يتم إخراج حفتر من العملية في أي لحظة، فالتطورات تشير إلى ذلك”. ويختم الاردوغان “قد تبدأ حقبة جديدة بين تركيا والولايات المتحدة بعد مكالمتنا الهاتفية”.

إنها المكالمة الاستراتيجية التي عكست حجم التغطية التي وفّرها ترامب لأساطيل الاردوغان في غزوته الليبية. وهي المكالمة التي أسّست لترسيم جديد للنفوذ والسيطرة في ليبيا بأبعادها الإفريقية والمتوسطية والأوسطية جرّاء الغزوة الاردوغانية في لحظة تحلُّل النظام العالمي الجديد الناتج عن الحرب الباردة.

وبالتوازي مع تراجع ترامب عن دعم حفتر، ضد حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج التي استولدت في مؤتمر الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، واستمدت شرعيتها منه وليس من البرلمان الليبي (بوصفه الشرعية الوحيدة في ليبيا)، الذي لم تمثل أمامه لنيل الثقة بها أصلا، رغم انتهاء صلاحيتها البرنامجية والزمنية وأيضا القانونية باستقالة أكثرية المجلس الرئاسي الذي لم يتبقى منه سوى السراج نفسه.

انطلقت الهجمة المرتدة على هجوم حفتر من رحم الاتفاقيتين الموقعتين مع أنقره وبضوء أخضر ترامبي. حيث سارع الاردوغان الى شحن مجاميع الميليشيات القاعدية الإخوانية من شمال سوريا الى مصراتة وطرابلس، ليلعبوا نفس الدور الذي لعبوه عام 2011 عندما كانت هذه الميليشيات بمثابة جيش الناتو البري، وهي اليوم جيش الناتو “الترامبكي” الذي رفده الاردوغان بأسطول من البوارج والفرقاطات البحرية، وأسراب من مسيّرات بيرقدار والمقاتلات الجوية الحديثة، الذين لعبوا دورا حاسما في فرض الانسحاب على الجيش الليبي من غربي ليبيا، بالنظر الى عدم تناسب الأسلحة والقوة النارية نوعيا وكميا من جهة، والى موقف البنتاغون وقيادة الافريكوم التي كانت ترصد وتكشف، مسارات ومنصّات ومطارات المقاتلات الروسية في قاعدتي القرضابية والجفرة وغيرهما من جهة أخرى.

اذن، تراجع ترامب محوّلا الإشارة الصفراء لحفتر، الى إشارة خضراء للاردوغان الذي يتقن استثمار الوقت، ويجيد بخلاف حفتر، الغزوة أو الاندفاعة السريعة التي أوصلته الى مشارف سرت الاستراتيجية.

إنّها الغزوة التي تسبّبت في نعي ماكرون المتكرّر لحلف شمال الأطلسي، “الميت سريريا” من قبل مزاحمة الاردوغان لاوروبا (شريكته في الناتو، وليس في الاتحاد الأوروبي) في معاقل نفوذها التاريخي على وليمة النفط والغاز في ليبيا غير القذّافية.

ربما لهذا بات على أوروبا العجوز وفق توصيف دونالد رامسفيلد أن تدفع “الإتاوة” لدونالد ترامب بهدف حمايتها من خاصرتها التركية والمتوسطية في آن.

أما ليبيا القذّافية، فكانت قد أمّمت النفط وأنتجته وسوّقته وفقا لشروط القذافي المعلومة لدى أوبك وكل دول شركات النفط الكبرى، وهي الشروط التي بسببها وليس لأجل “حماية المدنيين” جرّد أوباما ومعه ساركوزي فرنسا، وكاميرون بريطانيا، واردوغان الإخوان قبل تركيا، الحملة الناتوية لإسقاط ليبيا قبل القذافي عام 2011.

إنّها الغزوة التي يستكملها الاردوغان بدون الناتو منذ عام 2019، وفق اسلوب داعش وسرعة تمدده وتعدد جبهاته من سوريا إلى ليبيا وليس انتهاء بالعراق.

ترى ألهذه الدرجة مهّد داعش الطريق أمام تركيا. والى هذا المستوى تقمّص اردوغان الاخوان أبوبكر البغدادي؟. الخليفة الذي أعلن ترامب مقتله في قرية باريش الخاضعة لنفوذ أنقره والقريبة من الحدود السورية التركية،  بخلاف مقتل جنرال إيران القوي قاسم سليماني الذي أعلنه ترامب أيضا والذي تم في حرم مطار بغداد وليس على حدود إيران الاعتبارية؟.

وهي الغزوة التي أطلقت دستوريا سراح الجيش الجزائري للمرة الأولى خارج حدود الجزائر منذ استقلالها. وهي الغزوة التي تسبّبت في خروج مصر عن تحفظها العسكري، عندما أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مدينتي سرت والجفرة خطا أحمرا للأمن القومي العربي والأمن القومي المصري  وأعلن كذلك استعداد الجيش المصري للتدخل حال اختراق تركيا وقوات الوفاق وميليشاتها الاخوانية القاعدية لهذا الخط الأحمر.

سياق التطورات المتسارعة على صفيح ليبيا الملتهب، يشي بوقوع الاردوغان المنتشي، في خطأ ومطب حفتر، الذي توّهم أنّ إشارة ترامب الصفراء، خضراء، دون اهتمامه بدرجة السرعة. وقد عبّرت تركيا بلسان أوغلو وزير خارجية الاردوغان  وعبر حكومة وكيلها السراج، عن الرفض لهذا الخط الأحمر والعزم على تحرير مدينتي سرت والجفرة. ما يعكس أن الاردوغان يتصرف كما لو أنّ إشارة ترامب الخضراء لغزوته باتجاه غربي ليبيا، تشمل خليج سرت الاستراتيجي الذي يصل غرب ليبيا بشرقها من جهة، ووسطها بجنوبها الصحراوي من جهة أخرى.

وفي خطوة تعكس وحدة الموقف بين البنتاغون والخارجية الأميركية، استدعى قائد الافريكوم والسفير الأميركي في ليبيا رئيس حكومة الوفاق فايز السراج الى مطار زوارة المحاذي للحدود مع تونس الأسبوع الماضي لإبلاغه الموقف الأميركي الذي عبّر عنه أيضا بيان الخارجية الأميركية “المطالب بوقف فوري لاطلاق النار والرافض للتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا”.

لكن البارز في الموقف الأميركي هو رفع الإدارة الأميركية “الإشارة الحمراء” بوجه الهجوم الذي تحضّر له تركيا وميليشيات حكومة الوفاق على مدينتي سرت والجفرة، كشرط استباقي لوقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات التسوية السياسية.

إنها “الإشارة الحمراء” التي ستجوّف غزوة الاردوغان من استحواذه على النفط والغاز اللذين لأجلهما فقط تهتز الخرائط والشرائط. واللذين لن يتمكن منهما الاردوغان بسببها اولا، وبموقف مصر وحلفائها ثانيا.

أما مفتي الدم الصادق الغرياني المحلّل لسفك دماء الجيش الليبي، فلن يتمكن من التحليل الشرعي لا الاخواني لضخ العوائد المليارية من ثروات الشعب   الليبي النفطية والغازية في    بيت مال “الدولة العلية” واردوغان الاخوان.

 على شندب

كاتب  و إعلامي و سياسي لبناني 

المصدر