دراسات استراتيجية وأمنية … الأخبار الأمنية الاكبر اهمية

بشير الوندي

تناولنا في المباحث السابقة معلومات الاشارة ومعلومات الاستكمال ومعلومات المعالجة , وسنتناول في هذه الحلقة تصنيفاً رابعاً من المعلومات الاستخبارية وهو المعلومات الهامة وهي اساسيات المعلومات التي يجب ان تكون حاضرة ومحدثة دوماً والخاصة بقابليات وقدرات العدو .

الاهداف الحيوية

لايخلو اي بلد من أهداف حيوية مهمة تعتبر بنى تحتية اساسية تتعلق بكل مناحي الحياة كالاقتصاد .المواصلات .الامن الغذائي الاستراتيجي .التجارة .المستودعات .مراكز القيادة والسيطرة .مخازن ومصانع السلاح والعتاد .مراكز الاتصالات والتشويش .خطوط الاتصالات العسكرية .الترددات .محطات القطارات والمطارات العسكرية والمدنية .مرابض الطائرات .الجسور النهرية والارضية .طرق الهاي وي .بدالات الهواتف ومحطات اعادة البث .مخازن الوقود .قواعد الصواريخ .المعامل .المصانع .المعسكرات الكبيرة .مراكز الابحاث .الموانيء .السدود .محطات الطاقة .محطات تصفية وتحلية المياة .معامل التكرير .شبكات انابيب نقل الطاقة .مراكز الرادار والسيطرة الجوية .محطات التنصت والاستمكان .مراكز التحشد والتعبئة العسكرية .مواقع الصنوف العسكرية كافة .مرابض الزوارق البحرية والغواصات .الثكنات العسكرية .المفاعلات النووية والملاجيء المحصنة , فهذه كلها معلومات مهمة وحيوية .
ولاتقتصر المعلومات الحيوية على المباني , فاهم مصاديق المعلومات الهامة , البيانات والخطط والقرارات الاستراتيجية وخطة الحرب وخطة السوق العام وخطة الطوارىء وخطة ادارة الازمات وخطط العمليات العسكرية او الامنية.
——————————
اهداف الضربة الاولى
——————————
تناولنا في مبحث تصنيف الجهد الاستخباري ( 91 )تصنيف الجهد الاستخباري الى استخبارات استراتيجية واستخبارات تكتيكية واستخبارات ميدان ( تنفيذية ), والمعلومات المهمة وعالية الاهمية تصنف كجهد استراتيجي.
ان كل تلك الاماكن الحيوية هي بمثابة البنى التحتية لأي بلد , وهي في حقيقتها اهداف للعدو يصعب اخفائها عن عيونه وبالتالي تعد احداثياتها بمثابة احداثيات الطلعات الاولى للهجوم سواء بالصواريخ او بالقصف او بالطائرات او بالتخريب , وكلما كان البلد قويا كانت مراكزه وبناه التحتية اكثر تنوعاً , ومن هنا تعد المعلومات المتعلقة بتلك الاماكن الحيوية من المعلومات الاستراتيجية الهامة التي لابد ان تكون محددة بأكبر قدر من الدقة من خلال كافة اذرع المعلومات الاستخبارية .
ولايقف الامر عند حدود تصنيف الاعداء , فكل بلد توجد لدى جيرانه اياً كانت العلاقة بهم خرائط مفصلة عن كافة تلك الاهداف الحيوية , وكل بلد لابد ان تهيء اجهزته الاستخبارية تقييمات ورصد لكافة اماكنه الحيوية , فالمتغيرات في العلاقات الدولية هي ممكنة , وصديق اليوم قد يصبح عدو الغد , فلايعقل ان تقوم معركة ولاتعرف القيادة عن البلد الاخر بالحد الادنى 300 الى 500 من الاهداف الهامة والاستراتيجية التي تقويه في المعركة والتي يكون ضربها بمثابة ضربة قاصمة له , وفيها تعطيل لحركة جيوشه او شلها وهي ضربات كثيراً مايخطط لها لتكون صادمة ومفاجئة .
ومما لاشك فيه ان الطيار لايحلق في السماء ويبحث من الارتفاعات الشاهقة عن الهدف المكلف به وانما هو يمتلك احداثيات وفي نفس الوقت ملقّمة لأجهزة الكومبيوتر في طائرته , وكذلك الامر في الضربات الصاروخية الدقيقة. وهذه الاحداثيات ليست بنت يومها – الا ماتم تحديثه – وانما هي جهد استخباري ممتد لسنوات جرى فيها اعداد خرائط لكل دول الجوار والدول التي تصطبغ العلاقة معها بالتوتر والدول العدوة .
————————————
تحديث المعلومات الهامة
————————————
لاشك من ان تلك الاهداف والاماكن الحيوية , منها ماهو غير قابل للتغيير والنقل والتمويه والاخفاء عن الاعين كالمطارات والطرق والجسور والمصانع , ومنها ماهو قابل للنقل كالمخازن والقواعد الصاروخية غير الثابتة ومراكز القيادة واقبية الملفات والوثائق وسواها , كما ان منها ماتم استحداثه قبل مدة وجيزة, فكل تلك هي معلومات هامة لابد من الحصول عليها ولابد من مراقبة متغيراتها.
ومن هنا فان الاجهزة الاستخبارية العدوة لاتكتفي فقط بالمعلومات الهامة الخاصة بإحداثيات الاماكن الحيوية , وانما تطور معلوماتها وتحدثها لإيجاد المواقع الجديدة اولاً بأول وكذلك المواقع السرية البديلة التي تنتقل اليها تلك المواقع .
وتعمل الاستخبارات المحترفة على امتلاك اهداف مهمة للعدو باستمرار وتحتفظ بجميع تلك المعلومات وتصنفها بحسب سريتها وضمن احداثيات ووصف عام يشمل نوع الهدف وتأثيره الحيوي ومخططاته , ويأخذ كل هدف ترقيماً امنياً استخبارياً حسب تقييم الدولة للبلد الجار , وغالبا ما تستحصل المعلومات المهمة من خلال مصادر رفيعة خاصة قريبة من مصدر القرار واصحاب المناصب العليا في النظام
والواقع ان السرية في عالم اليوم لاتكون الا من نصيب ابن البلد , اما العدو المحترف فيعرف اكثر بكثير من المواطنين لاسيما مع تطور تقنيات الصور الجوية والاقمار الصناعية , لذا يستغرب المواطن – ابن البلد – ان العدو يقصف مخزناً مهجوراً او بيتاً نائياً ويعتقد ان الصاروخ المعادي قد اخطأ الهدف , وهو لايعلم ان العدو قد رصد عبر عملاءه واقماره الصناعية ان المخزن المهجور هو المقر البديل لقيادة القوة الجوية , وان المنزل النائي هو احد مراكز السيطرة البديلة او احد مخابيء رئيس السلطة .
——————-
حرب الاسرار
——————-
ان الاهداف الحيوية غير المدنية والقابلة للاخفاء عملياً تقع ضمن البرامج والخطط السرية للدولة والتي تسعى للحفاظ عليها وتراقب تحركات التجسس عليها وتحرص على سريتها , كما ان الاهداف الحيوية الثابتة لاتترك دون حماية من التجسس ومن الهجوم كالجسور والسدود والمطارات وغيرها , لذا يتم تحصينها ضد الضربات الجوية وضد الصواريخ الموجهة سواء بالطرق التقليدية كمقاومة الطائرات او بالطرق التقنية العسكرية الحديثة كالقباب الالكترونية ومنظومات الصواريخ الصادّة , كما ان هجمات العدو على المواقع الحيوية لايتم على مستوى واحد بالسلاح , فهنالك الحرب الاعلامية و الحرب الاقتصادية والحرب النفسية واختلاق الازمات والتخريب باتلاف المحاصيل والحرب التجارية بالحصار او الضرائب وهنالك التحركات الدبلوماسية والاستخبارية ..وكل تلك الانواع تجتمع لتكون محصلتها الحرب الشاملة .
ان الحروب بين البلدان تحسم بكم المعلومات التي يعرفها العدو عنك , ولعل حادثة افشاء اسرار القنبلة الذرية من قبل جاسوس امريكي لصالح الروس مكن الروس من ان يكونوا اقوى , وهي افضل معلومة مهمه حصلوا عليها طيلة عمر الاتحاد السوفيتي.
فالمعلومه المهمة تعطيك قوة ايجابية وكأنك تملك القوة في حسم الصراع او التنافس او المعركة , فحتى في الاستخبارات التكنلوجية والتجارية والاقتصادية والصراع القائم بين الشركات العالمية والتجسس العلمي والتجاري , فان مقدار ماتعرفه من اسرار خصمك يجعلك الاقوى , وكثيراً ماسدت المعلومات السرية التي تعرفها عن خصمك مسد فرق القوة بينك وبينه .
ولعل تسرب معلومات مهمة قد يسقط حكومات وويهدد الامن الوطني ويضعف الدولة وجيوشها , ففرقة عسكرية لاتعرف شيئاً عن لواء مدرع هي اضعف منه ان كان اللواء المدرع يعرف كل اسرار القوة للفرقة التي امامه في المعركة .
ومن هنا يسعى العدو لأن يكون لديه جواسيس في قلب مصدر القرار ويحميها ويسهم سراً في ترقيها من خلال ازاحة منافسيها ولو بالاغتيال او بالفضائح , فكيم فيلبي المسؤول عن التجسس ضد الاتحاد السوفيتي في المخابرات البريطانية مثلاً كان عميلاً لايقدر بثمن لصالح الاتحاد السوفيتي نفسه , فكانت معلوماته بقوة اسرار القنبلة النووية , وعندما قامت اسرائيل بتدمير المفاعل النووية العراقية تبين انها قد حصلت على معلومات مهمة من مصادرها بأن البرنامج اصبح خطيرا, كما ساعدت المعلومات الهامة الموساد من اغتيال العلماء النوويين الايرانيين , بل ان بعض المعلومات تشتريها الدول واجهزتها الاستخبارية بملايين الدولارات ان كانت معلومات مهمة وحاسمة , فالمعلومة الاستخبارية تقصم ظهر البلد الذي تتسرب منه
واحيانا يحصل العدو على معلومة مهمة لكنه يؤجل استخدامها ويعطي خسائر بشرية ومادية يستطيع تفاديها لكنه يفضل التغابي لأجل هدف استراتيجي , فالبريطانيون فكوا الشفيرة الالمانية وكانت البرقيات الالمانية المشفرة تكشف ان الالمان سيهاجمون السفينة الفلانية او الموقع الفلاني لكنهم كانوا يتلقون الضربة تلو الاخرى بأعصاب فولاذية من اجل كسب الحرب .
ولعل ما يجري في العراق وبلدان المنطقة من حروب وازمات ومخاطر وفوضى وتهديد وتسليح وصراعات سياسية واقتصادية ودينية وقومية (داعش والشيعة , الاكراد وتركيا , السنة والحشد , استعداء بلد دون آخر , التمرد والعصيان , وغيرها ) هي احداث عصيبة ولكن لوكانت اجهزتنا الاستخبارية تمتلك معلومات مهمة واستراتيجية لاستطاعت تفادي الخطر دوماً وان تكون في مأمن من الاحداث , فعندما تمتلك المعلومات الاساسية فانك تعرف خيوط اللعبة وتبادر الى قطع اي خيط لا يعجبك.
———–
خاتمة
———–
يقال ان في مدينة ما كان يكثر الصيد , وكان هناك شخص يستخدم سنارة مستقيمة غير معكوفة , مما اثار سخرية الصيادين وتندرهم , فانتشر خبره في المدينة , ونقل الوزير قصته الى الملك كمزحه , فضحك الملك وطلب ان يحضروه , وحين حضر سأله عن سر استخدامه لتلك السنارة التي يستحيل الاصطياد بها , فأجابه الصياد : مولاي من يريد صيداً ثمينا عليه الصبر , ولقد كانت غايتي بأن تصل قصتي اليك ليحضروني الى هنا , فالناس كانت تصطاد السمك وانا اردت اصطياد لقاءك .
فالمعلومات المهمة هكذا , صعبة المنال وتحتاج الى الصبر ولايمكن الانتصار بدونها وتستخدم الاجهزة الاستخبارية كل الوسائل للحصول عليها , والله الموفق.

المصدر