هل كانت ثورة 1920 العراقية ثورة بالمعنى الحقيقي ؟

 

جاسم محمد كاظم 

  يكثر هذه  الأيام من   قنوات السلطة  العراقية  الكلام  والحديث  عن    ما يسمى  ثورة  العشرين  التي  حدثت   ضد  المحتل  الانكليزي  عام  1920.

  والثورة بالتعريف  السياسي  والعسكري    هي  اللجوء إلى  القوة المسلحة  تحت  قيادة  واعية .

وتحدد  للثورة أهداف مرسومة  متفق  عليها إيذانا  ببدء  عصر  جديد  وانسلاخ عصر  بائد   .

وهكذا سارت   الثورات  العالمية   الكبرى  بدئا  بالثورة  الأميركية  ضد  المحتل الانكليزي  التي  استمرت  ما يقارب الأربع  سنوات   وانتهت بولادة  الولايات المتحدة الأميركية   مرورا  بالثورة الفرنسية  التي  أقصت  الملكية  والحكم  الإلهي  المباشر  وأنشأت  فجر  الجمهورية الفرنسية.

ولا تختلف  الثورة  البلشفية 1917  بقيادة  فلاديمير لينين  عن  ذلك بعد أن  قلبت  التاريخ  رأسا  على عقب  إيذانا بانتهاء  عصر العبودية  وظهور  الإنسان  الحقيقي  العامل   .

وتمتاز   الثورة  بخصائص  ومقومات   أساسية  فيجب  أن تكون  لها   قيادة   سياسية واعية    تعرف  كيف  تتحكم بالأمور  وتدير  اللحظة  الحاسمة وتمتلك   كيفية  أدارة الثورة  وهل ستكون  الثورة  طويلة الأمد تأخذ  شكل  حرب العصابات   أو  سريعة  تنتهي  بساحة حسم محددة  .

ويأتي  الشي  المهم بعد نجاح الثورة  فهل  يتمكن  الثوار بإقامة  الدولة  الموعودة التي  تخلف  الاحتلال  وكيف  تسير  الدولة  بأدواتها  الاقتصادية مع  كل المكون  العلمي والتكنولوجي .

والذي  يبحث  في  تمرد العشرين  لا يجد أي   من هذه الخصائص  والمقومات فكل  القائمين بالتمرد لا يعرفون    القيادة  شكلا  ومضمونا  والأكثر من هذا   يجهلون    معنى الدولة الحقيقي    فالعراق   كان  ولاية  عثمانية تعتمد  على الريع الزراعي البسيط وفرض الجباية  على الفلاحين .

والكارثة  الأكبر  لا يوجد مسمى   لدولة العراق   بل  ثلاث  ولايات متفرقة  الموصل  في الشمال وبغداد في الوسط  وهي المركز  الحاكم  والبصرة  كميناء  في  الجنوب   وما  بينهما  مدن  بسيطة    تعتمد على الزراعية البدائية مثل  ما قبل ألف سنة .

ولا توجد في كل هذه  الولايات  شارع مبلط  بالإسفلت   أو محطة  للكهرباء  ولا حتى مستشفى   فكل  المدن  هي بالأصح حاميات عسكرية   سكن بقربها  الأهالي  لتصبح مراكز  بسيطة  للبيع  والشراء تطورت بعد ذلك  لتصبح مدنا كبيرة  .

  أسرع  الانكليز باحتلال  العراق حينما  عرفوا  بان  خزين  النفط العراقي  سيكون محرك  التاريخ   للقرن القادم وما بعدة  بفرق  خيالة   في بداية الحرب العالمية  الأولى   قادمة من الهند  استطاعت  احتلال  الفاو عام 1914 .

ولان   هذه الفرق  من الاحتياطي  الانكليزي  وضعيفة  التجهيز  العسكري   قاتلت على طريقة  الأرتال  البونابرتية   ضد  القوات  العثمانية   المتمركزة    في العراق واستطاعت  هزيمة هذه القوات  وخرقها  والوصول إلى مدينة الكوت   في سنة 1916  ثم   دخول  واحتلال بغداد دون معركة   عام1917 .

عانى  السكان كثيرا من الهيمنة العثمانية   التي ترى في العراق  سلة  الخبز  والمصدر  للحنطة  و كيسا من النقد  يضاف  إلى خزينة  الباب العالي   لإدامة  حروبه  في البلقان وارويا   لذلك أرادت أنشاء  خط  سكة القطار  الشهيرة  بغداد برلين   لتصدير  الحنطة إلى أوربا.

  ولم تهتم هذه   السلطة  بإصلاح أمور  الأهالي    بل  استعملت  العنف  بكل  أنواعه  ضد السكان من اجل  تجنيدهم  في  الجيش  العثماني   بالقوة  والخدمة  بالسخرة  مع هذه القوات  البغيضة .

تكمن الأسباب  الرئيسية  لتمرد العشرين  بثلاثة أسباب اقتصادية وسياسية ودينية  اتبع  الانكليز سياسية  اقتصادية مختلفة مع  الأهالي وقاموا  بتبديل  الأشخاص   المسؤولين عن  فرض الجبايات والرسوم واستحدثوا  مراكز  قوى  جديدة    وأرادوا إدخال  شبكة  ري  حديثة  وسدود  للأراضي   أغاضت  الشيوخ  المنتفعين  من  الحكم  العثماني   وجردتهم من نفوذهم   فألبوا  العشائر  الموالية لهم  بهجمات  ضد  المدن   والمراكز  الانكليزية .

  وأهمل  الانكليز   دور  المراكز الدينية  وأرادوا إخراجها  من  القرار  والهيمنة  فقامت  هذه المراكز الدينية  بما لديها  من أتباع  ونفوذ  في  العشائر والقبائل  بالاتحاد مع  هؤلاء الشيوخ وإعطاء صبغة دينية  للتمرد .

 ويكمن  السبب السياسي   بدعم  تركيا  لهؤلاء  الشيوخ  ضد الانكليز  وإذا  ما عرفنا أن المراكز الدينية  الشيعية  أرادت ربط  العراق     بتركيا  واد خالة تحت   الهيمنة  التركية و أخراجه من  التبعية الانكليزية ,

ولا يختلف  السبب الثالث عن  الثاني  ببث  الإشاعات  الدينية  من  قبل هذه المراكز  الدينية  بين  الفلاحين  بان  الانكليز من  الصليبيين  الكفرة  جاءوا لاحتلال  المقدسات  وسبي   النساء   وألبت  هذه الإشاعات الفلاحين  والعشائر وانضمامهم مع  الشيوخ  .

    اتبع  التمرد نظام  اضرب واهرب ولم  يكن  للمتمردين قيادة    مركزية  وشبكة اتصال   وضباط ارتباط  لتنظيم   الهجمات  وأعداد  الثوار  .

ولهذا  اختلف  شكل  التمرد  في الشمال عن الجنوب  والوسط ولم يستمر  لفترة طويلة  حين عرف  الانكليز  سر التركيبة  العراقية من الشيوخ   ورجال الدين  واستطاعوا بسرعة من شراء هم   بالأموال والاقطاعات  الجديدة .

   وما هي  ألا  سنة  واحدة  حتى عاد الماء  الانكليزي  إلى مصبه  بتقسيم  العراق  مابين بضعة  من رجال  الإقطاع  لا يزيدون على  العشرة  أفراد    بلغت  حصة  احدهم من  الأراضي  ما يفوق على  مساحة دولة  لبنان  الحالية .

وتم شراء  رجال  الدين  بالنقد  وأعطوا  حظوظا  كثيرة  عند السلطة الملكية  باعتبارها  من  عائلة  الرسول  .

   وهكذا انتهى تمرد   العشرين  بدون  أن  يحقق  شيئا   فالانكليز كانوا في الأصل    يخططون لإنشاء   كيان  جديد  في المنطقة  يسمى  بلاد مابين  النهرين  لوجود  النفط  بكميات  كثيرة  في  الشمال  والجنوب  وخوفا  من  أن يذهب   هذا  الذهب الأسود لتركيا  أو إيران    كان  العراق   فكرة جنون أصابت  عقل تشرشل  فاقتطع  أراضي  من هنا وهناك  وخلق  كيان  جديد  سماه  الانكليز  ميزو بوتاميا   وأبدله الملك  فيصل الأول   بعد ذلك   باسم  العراق .

  لم تعترف   تركيا  ولا إيران  التي  كانت  تسمى بإمبراطورية  فارس  بهذا الكيان  العراقي  الجديد فتركيا ترى أن   كل الشمال  العراقي اليوم هو أراضي  تركية  لان  الانكليز   قاموا باحتلاله بعد نهاية الحرب العالمية الأولى  خلافا للاتفاقات  الدولية   بينما ترى إيران   أن  المدن المقدسة  في الوسط  هي أراضي إيرانية  واعترفوا  بعد ذلك  بالعراق  بعد  عقد زمني  من  أنشاء  العراق عام 1921 .

//////////////////////////////////////////

جاسم محمد كاظم 

دكتوراه  أدارة  أعمال 

المصدر